خطر انقراض اللغات الأصلية في عمان 

تتميز عمان كدولة وشعب بتنوع حضاري راسخ في في جذور التاريخ، وهذا التنوع مع مختلف أسبابه، نتج عنه وجود مجتمعات تتحدث العديد من اللغات، كما أن هذه المجتمعات لديها تاريخها الخاص وكذلك المشترك والمتداخل مع المجتمعات الأخرى سواء داخل عمان أو الدول المحيطة. أشهر هذه اللغات هي المهرية والشحرية والكمزارية واللواتية والهبيوتية والحرسوسية والبلوشية والسواحيلية والبطحرية والفارسية. ورغم هذا التنوع الثقافي الفريد من نوعه داخل مجتمع ذو كيان سياسي موحد مثل عمان، إلا أن هذه اللغات مهددة بالانقراض. أحد أسباب هذا الانقراض المحتمل هو انعدام أيّة جهود رسمية في وضغ برنامج ثقافي أو اجتماعي يتيح لمتحدثي هذه اللغات ممارسة اللغة أو وجود مناهج تعليمية.

في تقرير للمنتدى الدائم للأمم المتحدة المعني بقضايا الشعوب الأصلية نشر في عام 2018، ذكر أن 3% من سكان العامل فقط يتحدثون 4000 لغة من 6700 لغة يتحدثها 96% من سكان العالم. العديد من الدراسات أشارت إلى أنه هناك أكثر من 7000 آلاف لغة مستخدمة اليوم حول العالم، من أصل أكثر من 8 آلاف لغة. 

إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية أشار في مادته الــ 13 إلى أن للشعوب الأصلية الحق في إحياء واستخدام وتطوير ونقل لغاتها وتقاليدها الشفوية وأنظمة الكتابة وآدابها إلى الأجيال القادمة. مع التأكيد على ضمان أن تتخذ الدول التدابير اللازمة لحماية هذا الحق. 

تتوزع المجتمعات المتحدثة لهذه اللغات في أماكن جغرافية متعددة ومتباعدة متوزعة على مختلف المناطق الجغرافية لعمان. على سبيل المثال، متحدثو اللغة الشحرية (الجبالية) يقطنون في الجنوب العماني والمعروف  تاريخيا بشحر عمان حاليا تسمى محافظة ظفار، وينسب بعض الدارسين اللغة الشحرية إلى  قبائل الشحرة سكان ظفار الأصليين. وهي تعتبر من اللغات السامية، وتصنف ضمن اللغات السامية العربية الجنوبية الحديثة مع اللغة المهرية والسقطرية ( جزيرة سقطرى اليمنية) والحرسوسية والهبيوتية والبطحرية، يُتوقع أن يكون عدد متحدثو اللغة حاليا أكثر من 150 ألف شخص. 

أما اللغة الكمزارية، فتتحدثها مجتمعات في أقصى الشمال العماني، محافظة مسندم. وتعتبر خليطا من لغات عدة أهمها الفارسية والهندية والعربية والإنجليزية والكردية. يُعتقد أن متحدثو هذه اللغة حاليا يتجاوزون ال 5 ألاف شخص. وهي الأخرى مهددة بالانقراض خاصة أنها لغة منطوقة وغير مكتوبة. كما أنّ انخراط العديد من من هذه المجتمعات بالحياة اليومية العملية والمهنية والتي تتطلب الحديث باللغة العربية، أحد أسباب انحسار الأشخاص عن التحدث بهذه اللغة.

كما لا يمكن تجاهل لغات مثل البلوشية و الزدجالية اللاتي يتحدثهما ما يقرب من ربع سكان عمان، 25%، ولها انتشار واسع وسط المتحدثين بها اللذين لا زالوا يمارسونها اجتماعيا رغم عدم وجود أي كيان رسمي لها في الحياة المجتمعة أو المؤسسات الرسمية.

اللغة السواحيلية تعتبر أحد اللغات المتواجدة والمنتشرة في عمان، وهي لغة تعتبر شرق أفريقية، من فصيلة لغة البانتو. في فترة السيطرة العمانية على بعض السواحل الأفريقية والاحتلال السياسي، سواء من قديم الزمان أو مع نشأة الدولة البوسعيدية كذلك وتكون النظام السياسي في زنجبار وغيرها من المدن، عاش العديد من العمانيين واندمجوا بالمجتمع هناك وهو ما أسفر عنه اليوم وجود عئلات تتحدث السواحيلية في عمان.

 

المركز العماني لحقوق الإنسان والديمقراطية وفي هذا التقرير، يُقدم مقترحا يعرض فيه آليات وطُرق تساهم في كيفية إنقاذ اللغات النادرة من الانقراض. حيث أن إنقاذ اللغة من الانقراض يتطلب نهجًا متعدد الأوجه يشمل إشراك المجتمع، التعليم، التوثيق، التكنولوجيا، ودعم السياسات. فيما يلي استراتيجيات رئيسية لحفظ وإحياء اللغات المهددة بالانقراض:

إشراك المجتمع

  1. مشاركة المجتمع: تمكين وإشراك المجتمع الذي يتحدث اللغة. تشجيع كبار السن والمتحدثين الفصيحين على مشاركة معرفتهم مع الأجيال الشابة.
  2. الدمج الثقافي: دمج اللغة في الحياة اليومية من خلال الأنشطة الثقافية، والاحتفالات، والممارسات التقليدية. تعزيز استخدام اللغة في الإعدادات العائلية والتجمعات المجتمعية.
  3. مراكز ثقافية: إنشاء برامج ثقافية بدعم حكومي أو أهلي تُتيح لمتحدثي اللغة أو من يرغب في تعلمها أو التثقف حولها إلى المشاركو والحضور.

التعليم

  1. دروس اللغة: إنشاء دروس لتعليم اللغة في المدارس والمراكز المجتمعية. برامج التعليم الثنائي اللغة يمكن أن تساعد الشباب على تعلم اللغة المهددة بالانقراض بجانب اللغة السائدة.
  2. تدريب المعلمين: تدريب المعلمين الذين يتقنون اللغة لتعليمها بشكل فعال. توفير الموارد والدعم للمعلمين.
  3. غمر اللغة: إنشاء برامج غمر حيث يمكن للطلاب وأعضاء المجتمع ممارسة اللغة في بيئات طبيعية.

التوثيق

  1. التسجيل والأرشفة: توثيق اللغة عن طريق تسجيل المتحدثين الأصليين، بما في ذلك التاريخ الشفهي، والأغاني، والقصص. أرشفة هذه المواد في صيغ رقمية ومادية قابلة للوصول.
  2. أنظمة الكتابة: تطوير أو توحيد أنظمة الكتابة للغة إذا لم تكن موجودة. إنشاء قواميس، وأدلة نحوية، ومواد مرجعية أخرى.

التكنولوجيا

  1. الأدوات الرقمية: استخدام التكنولوجيا لإنشاء تطبيقات لتعلم اللغة، ودورات عبر الإنترنت، وقواميس رقمية. يمكن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات رقمية أخرى للترويج للغة وربط المتحدثين.
  2. محتوى الوسائط: إنتاج محتوى وسائط مثل الأفلام، والبرامج الإذاعية، والبودكاست، والكتب باللغة المهددة لزيادة رؤيتها واستخدامها.

دعم السياسات

  1. سياسات الحكومة: الدعوة لسياسات تدعم حفظ اللغة، مثل الاعتراف الرسمي باللغة، وتمويل برامج اللغة، ودمج اللغة في اللافتات العامة والوثائق.
  2. التعاون الدولي: التعاون مع المنظمات الدولية والمجتمعات الأخرى العاملة في حفظ اللغة لمشاركة الموارد، والمعرفة، والاستراتيجيات.

 

زيادة الوعي عبر الإعلام المحلي الوطني والمستقل

  1. حملات توعية: إطلاق حملات توعية لتسليط الضوء على أهمية اللغة وخطر انقراضها. استخدام وسائل الإعلام، والأحداث، والمحاضرات العامة لجذب جمهور أوسع.
  2. إشراك المؤثرين: إشراك القادة المحليين، والمشاهير، والمؤثرين للترويج للغة وتشجيع استخدامها بين الجماهير الأوسع.
  3. توفير برامج إعلامية متخصصة في وسائل الإعلام المختلفة، التي من خلالها يتم تقديم برامج توثيقية وبرامج شعبية نقاشية وتثقيفية حول تاريخ اللغات وأهمية بقاءها واستمرارها.

 ملاحظة:

يرى المركز ويشدد على أنه   لابد من الاعتراف بهذه اللغات ضمن القانون الأساسي للدولة، كمكون ثقافي من المكون العُماني الوطني. ذلك أن الاعتراف بهذه اللغات الوطنية يسمح للناطقين بها إقامة معاهد لدراستها وتوثيقها.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى