أهمية الحريات الدينية

عادة ما تشهد الدول التي تفتقر للحريات الدينية أو حرية المعتقد بصورة عامة، إلى توترات ينتج عنها تعامل أمني قاسي مع كل مختلف عن النسيج العام للمجتمع الذي تضع أطره المؤسسة الرسمية، سواء فيما يتعلق باعتناق ديانة مختلفة عن السائد العام في المجتمع، أو حرية عدم اعتناق أي دين. ناهيك عن الخلافات المذهبية التي قد تنتج من تكرس مشاعر الإقصاء والتهميش لدى فئة من المجتمع التي وإن كانت تعتنق الديانة الرسمية للبلد، إلا أنها قد تكون على مذهب مختلف. وهو ما يمكن اعتباره إشارة على غياب أو انعدام التسامح الديني.

تعتبر حرية العقيدة أوالمعتقد، حقاً أساسياً للإنسان يشكل أساس المجتمع العادل والشامل. يتجلى هذه المبدأ الأساسي في منح كل فرد حقه في التعبير عن معتقداته الدينية، أو العلمانية، أو الفلسفية دون مخاوف من الاضطهاد أو التمييز. وذلك من خلال حماية هذا الحق للفرد وصون كرامته الإنسانية.ذولك لما يسهم من وجود هذه الحرية إلة تعزيز وجود بيئة مناسبة لتعايش متناغم لمختلف المعتقدات.

نصّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الـــ 18 على أنه: 

“لكلِّ شخص حقٌّ في حرِّية الفكر والوجدان والدِّين، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في تغيير دينه أو معتقده، وحرِّيته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبُّد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة.”

كما أكد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في مادته الــ 18  على حق الفرد في حرية الفكر والوجدان والدين، مشددا على عدم تعريض أي أحد للإكراه في اعتناق دين ما أو اختيار الدين الذي يريد.

تكمن أهمية  حرية المعتقد أو الحريات الدينية بصورة عامة في قدرتها على تحقيق عدد من العوامل التي تساعد على خلق بيئة آمنة في المجتمعات للأفراد والجماعات في ممارسة معتقداتهم أو حريتهم في عدم اعتناق أي معتقد. هذه العوامل من الممكن أن يتم اختصارها  في تعزيز الحكم الذاتي للفرد، وتعزيز التآلف الاجتماعي، وإثراء التنوع الثقافي، وتشجيع النمو الفكري، وترسيخ مبادئ حقوق الإنسان. بمعنى آخر، وجود هذه الحرية يتيح للأفراد البيئة الآمن للكشف والتعبير عن معتقداتهم الدينية أو غير الدينية أو الفلسفية دون خوف من التمييز أو الاضطهاد. 

وبالرغم من أهمية حرية الدين والمعتقد في تعزيز حقوق الإنسان وترسيخ مفهوم التعايش السلمي والمناخ الآمن للأفراد والجماعات، إلا أنها تواجه تحديا في أماكن عدية حول العالم. هذه التحديات هي ما تشكل خطرا على الأفراد. وبمكن اختصارها في النقاط التالية:

انعدام التسامح الديني في العديد من المجتمعات، وهو ما يتمثل في التحامل والتمييز ضد الأديان ذات الأقلية أو الأفراد غير الدينيين، وهوما يمكن أن يؤدي إلى العنف إلى جانب الإقصاء.

قوانين التجديف والتكفير، حيث تتبنى بعض الدول وتطبق قوانينا تعاقب فيه الأفراد إذا تخلوا عن دينهم أو اعتنقوا دينا آخر غير الدين المعترف به رسميا في البلاد، أو الذي يشكل الأغلبية استنادا على عدد السكان.

فرض الحكومات لدين واحد، وفي بعض الحالات لمذهب أو إيديولوجية دينية واحدة، سواء في المؤسسات التعليمية أو الدينية أو حتى على النهج الحياتي العام، وهو ما ينتج عنه عادة غياب أي تنوع ديني، إلى جانب كونه بيئة مناسبة للتشدد والكراهية. 

للأسف، عمان تعتبر أحد الدول التي لا يتمتع فيها الأفراد بحرية المعتقد أو الحرية الدينية، وقد شهد العديد من الأفراد الذي صرحوا علنا عن توجهاتهم اللادينية، أو انخرطوا في نشاط فكري عن الإلحاد، الاعتقال والسجن، وفي أقل الحالات سوءا، التحقيق. فعمان وفي المادة 2 من نظامها الأساسي، تقدم نفسها على أنها دولة دينية أون الإسلام هو أساس التشريع، وهو ما يتوافق مع نقطة التحدي الثالثة التي تم نقاشها سابقا، والتي تتمحور حول فرض الدول أو الحكومات لأديان أو حتى مذاهب معينة. هذا التحدي هو ما أدى إلى وجود قوانين التجديف والتكفير، كما هو منصوص عليه في المادة 269 من قانون الجزاء العماني التي تعاقب بالسجن بما لا يقل عن 3 سنوات ولا يزيد عن 10 سنوات، لكل من يشترك في أنشطة يمكن للقائمين على القانون تفسيرها على أنها ضد الدين أو تمس بالقيم الدينية.

كما أنه ومذهبيا، استدعت السلطات الأمنية في عمان عددا من الكتاب في فترات سابقة لنشرهم مقالات ناقشت جانبا من التاريخ المذهبي. مؤخرا، وتحديدا في يونيو المنصرم، اعتقلت السلطات الأمنية عددا من المواطنين من ولاية طاقة، محافظة ظفار، بسبب أدائهم لصلاة العيد الأضحى على خلاف التقويم الرسمي للبلاد. زاد عدد الاعتقالات والاستدعاءات لاحقا ليشمل حتى المتعاطفين مع المعتقلين أو الرافضين للاعتقال. كما أن الباب الأول من الفصل الثامن من قانون الجزاء العماني يتضمن من المواد التي تجعل أي نشاط متعلق بحرية الفكر والدين مستحيلا، بسبب قسوة العقوبات التي يطبقها القانون على كل من تعتقده السلطات أنه مخالف للنظام العام. 

طبيعة هذه التشريعات ساهمت للأسف إلى تصاعد نبرة عدم التسامح ضد صاحب أي وجهة نظر مختلفة، ليس فقط وجهات تتعلق بالدين الإسلامي، ولكن كذلك أي انتقاد للمذهب الرسمي للبلاد، الأباضي. من ضحايا هذه القوانين، الناشط والدبلوماسي الراحل حسن البشام، الذي حكم عليه بالسجن 3 سنوات، ووافته المنية وهو يقضي فترة السجن. كذلك ما عرف بقضية مساحات غيث، والتي كان ضحيتها 4 وهم علي الغافري، مريم النعيمي، عبدالله حسن وغيث المقبالي. سقطت التهم عن بعض المتهمين، وتم تثبيتها على مريم، خرجت في إبريل الماضي بعفو سلطاني. في حين لازال علي الغافري، سلم نفسه للسلطات في نوفمبر2022، يقضي فترة عفوبته البالغة 5 سنوات، بعد إدانته بالمساس بالقيم الدينية كذلك والتطاول على الذات الإلهية. 

يعتبر النشاط الديني وحرية المعتقد في عمان، من المخاطر التي قد تنتهي بعقوبة السجن القاسية. خاصة مع تزايد النبرة العدائية من قبل عدد من رجال الدين المعروفين والمهمين، مثل مفتي السلطنة العام الشيخ أحمد الخليلي وغيره. المركز يرى في وجود تشريعات قانونية تدين أي نشاط متعلق بحرية الدين والمعتقد هو أحد الأسباب الرئيسية اليوم إلى غياب التسامح في عمان، ويحث بصورة عاجلة السلطات إلى ضرورة التخلص من هذه القوانين واستحداثها بما يوفر بيئة آمنة للنشاط الفكري، وبما يتوافق مع قوانين حقوق الإنسان الدولية. 

زر الذهاب إلى الأعلى